عبد الرحمن بن ناصر السعدي
417
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
فيمنعهم خوفهم منه ، ومن القدوم عليه يوم الحساب ، أن يتجرأوا على معاصي الله ، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب . * ( والذين صبروا ) * على المأمورات بامتثالها ، وعن المنهيات بالانكفاف عنها ، والبعد منها ، وعلى أقدار الله المؤلمة ، بعدم تسخطها . لكن بشرط أن يكون ذلك الصبر * ( ابتغاء وجه ربهم ) * لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة ، فإن هذا هو الصبر النافع ، الذي يحبس به العبد نفسه ، وطلبا لمرضاة ربه ، ورجاء للقرب منه . والخطوة بثوابه ، هو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان ، وأما الصبر المشترك ، الذي غايته التجلد ، ومنتهاه الفخر ، فهذا يصدر من البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، فليس هو الممدوح ، على الحقيقة . * ( وأقاموا الصلاة ) * بأركانها ، وشروطها ، ومكملاتها ، ظاهرا وباطنا ، * ( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) * دخل في ذلك ، النفقات الواجبة ، كالزكوات ، والكفارات ، والنفقات المستحبة ، وأنهم ينفقون ، حيث دعت الحاجة إلى النفقة ، سرا وعلانية ، * ( ويدرأون بالحسنة السيئة ) * أي : من أساء إليهم ، بقول أو فعل ، لم يقابلوه بفعله ، بل قابلوه بالإحسان إليه . فيعطون من حرمهم ، ويعفون عمن ظلمهم ، ويصلون من قطعهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ، وإذا كانوا يقابلون المسئ بالإحسان ، فما ظنك بغير المسئ ؟ * ( أولئك ) * الذين وصفت صفاتهم الجليلة ، ومناقبهم الجميلة * ( لهم عقبى الدار ) * ، فسرها بقوله : * ( جنات عدن ) * أي : إقامة ، لا يزولون منها ، ولا يبغون عنها حولا ، لأنهم لا يرون فوقها ، غاية لما اشتملت عليه من النعيم ، والسرور ، الذي تنتهي إليه المطالب والغايات . ومن تمام نعيمهم وقرة أعينهم ، أنهم * ( يدخلونها ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) * من الذكور والإناث وكذلك النظراء والأشباه ، والأصحاب ، والأحباب ، فإنهم من قبيل أزواجهم وذرياتهم ، * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) * يهنئونهم بالسلامة ، وكرامة الله لهم ويقولون : * ( سلام عليكم ) * أي : حلت عليكم السلامة ، والتحية من الله حصلت لكم ، وذلك متضمن لزوال كل مكروه ، ومستلزم لحصول كل محبوب . * ( بما صبرتم ) * أي : بسبب صبركم ، وهو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية ، والجنان الغالية ، * ( فنعم عقبى الدار ) * . فحقيق بمن نصح نفسه ، وكان لها عنده قيمة ، أن يجاهدها ، لعلها تأخذ من أوصاف أولي الألباب بنصيب ، ولعلها تحظى بهذه الدار ، التي هي منية النفوس ، وسرور الأرواح ، الجامعة لجميع اللذات والأفراح ، فلمثلها فليعمل العاملون وفيها فليتنافس المتنافسون . * ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أول ئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار * الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) * لما ذكر حال أهل الجنة ، ذكر أن أهل النار ، بعكس ما وصفهم به فقال عنهم : * ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) * أي : من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله ، وغلظ عليهم ، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم ، بل قابلوه بالإعراض والنقض ، * ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) * فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح ، ولا وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق ، بل أفسدوا في الأرض ، بالكفر والمعاصي ، والصد عن سبيل الله ، وابتغائها عوجا ، * ( أولئك لهم اللعنة ) * أي : البعد والذم ، من الله وملائكته ، وعباده المؤمنين ، * ( ولهم سوء الدار ) * وهي : الجحيم ، بما فيها من العذاب الأليم . أي : هو وحده يوسع الرزق ويبسطه على من يشاء ، ويقدره ويضيقه على من يشاء ، * ( وفرحوا ) * أي : الكفار * ( بالحياة الدنيا ) * فرحا ، أوجب لهم أن يطمئنوا بها ، ويغفلوا عن الآخرة ، وذلك لنقصان عقولهم ، * ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) * أي : شيء حقير ، يتمتع به قليلا ، ويفارق أهله وأصحابه ، ويعقبهم ويلا طويلا . * ( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) * يخبر تعالى ، أن الذين كفروا بآيات الله ، يتعنتون على رسول الله ، ويقترحون ويقولون : * ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) * وبزعمهم أنها لو جاءت لآمنوا ، فأجابهم الله بقوله : * ( قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) * أي : طلب رضوانه ، فليست الهداية والضلالة بأيديهم ، حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات ، ومع ذلك فهم كاذبون ، فلو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، ولكن أكثرهم يجهلون . ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية ، التي يعينونها ، ويقترحونها ، بل إذا جاءهم بآية ، وتبين ما جاء به من الحق ، كفى ذلك ، وحصل المقصود ، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها ، فإنها لو جاءتهم طبق ما اقترحوا ، فلم يؤمنوا بها ، لعاجلهم العذاب ، ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال : * ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) * أي : يزول قلقها واضطرابها ، وتحضرها أفراحها ولذاتها . * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * أي : حقيق بها ، وحري أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره ، فإنه لا شيء ألذ